From Lebanese Army Website
|
1- مسيرة الاستقلال:
لم يتأخر اللبنانيون في ترجمة إرادتهم عملياً، إذ تطوعت مجموعات من الشباب في فرقة الشرق التي أنشأها الحلفاء في المنطقة العربية عام 1916، كأحد وجوه النضال الوطني، وقد اشترطوا حينها أن يدون على عقود تطوعهم شرطان: الأول أنهم يقاتلون ضد القوات العثمانية من دون غيرها، والثاني أنهم انخرطوا في القوات الحليفة بهدف تحرير لبنان وما لبثوا لاحقاً أن شكلوا داخلها حالة لبنانية مميزة، ففي العام 1918 أصبحت فرقة الشرق تضم في صفوفها أول سرية من سرايا الجيش اللبناني، وهي السرية 23 التي رافق تأليفها الكثير من التعاطف والحماس. وتوالى تشكيل السرايا التي راحت تمدّ يد العون إلى اللبنانيين الرازحين تحت وطأة القهر والحرب والحصار، وكان باكورة ذلك تسلل قوارب المتطوعين الصغيرة ليلاً من جزيرة أرواد إلى الشواطئ اللبنانية حاملة معها التموين وأموال ورسائل المغتربين إلى ذويهم. منذ عام 1921 ، أخذت سرايا القناصة اللبنانية تنشر العمران في أرجاء الوطن، وشرعت بتنفيذ مشاريع إنمائية شملت أعمال البناء وشق الطرقات وإنشاء الجسور ومراكز الهاتف والتلغراف، والتنقيب عن الآثار ومكافحة الجراد والإغاثة والتشجير... فأرسى ذلك انطلاقة عهد واعد من المحبة والود والتقدير بين اللبنانيين وجيشهم. على أثر نشوب الحرب العالمية الثانية عام 1939، وبعد سقوط فرنسا بيد الألمان وانقسام قواتها بين مؤيد لحكومة فيشي ومؤيد لقوات فرنسا الحرة، جرت محاولات لزج الوحدات العسكرية اللبنانية في الصراع الفرنسي – الفرنسي، لكن ذلك لم يحقق أي نجاح يذكر كون هذه الوحدات تطوعت أساساً في جيوش الحلفاء بهدف تحرير لبنان ولم تكن مستعدة للتخلي عن هدفها الأصيل.
وفي 26 تموز 1941، تنادى أربعون ضابطاً لبنانياً للاجتماع في بلدة زوق
مكايل، رافعين الصوت بالولاء للوطن رافضين أن يكونوا أداة في يد الأجنبي،
ووقّعوا وثيقة شرف تعهدوا فيها بعدم مواصلة الخدمة إلاّ في سبيل لبنان، كما
تعهدوا بأن تقتصر علاقتهم مع حكومتهم الوطنية ومنها يتلقون الأوامر. وفي
ختام الوثيقة، ربط هؤلاء الضباط استئناف مهامهم العسكرية بالحصول على وعدٍ
قاطع من السلطات الرسمية الفرنسية باستقلال وطنهم، وهذا ما حصل إذ ألقى
الجنرال ديغول، قائد فرنسا الحرة، الذي كان موجوداً حينها في بيروت، خطاباً
وعد فيه بمنح لبنان الاستقلال والسيادة. في 29 آب و 5 أيلول عام 1943، جرت انتخابات نيابية في لبنان، على أثرها انتخب المجلس النيابي الجديد الشيخ بشارة الخوري رئيساً للجمهورية الذي كلف بدوره رياض الصلح تشكيل الحكومة. وبدأت مع ذلك معركة الاستقلال تعيش لحظاتها الحاسمة، إذ صدر البيان الوزاري الشهير الذي تضمن سياسة الحكومة الاستقلالية، تلاه قيام مجلس النواب بتعديل مواد الدستور المتعلقة بالانتداب وتوقيع رئيس الجمهورية على هذا التعديل. وإزاء هذا الواقع ردت السلطات الفرنسية باعتقال رئيس الجمهورية والحكومة وعدد من الوزراء والنواب وأودعتهم سجن قلعة راشيا. على أثر هذه التطورات، شهد لبنان حالة من الغليان الشعبي في مختلف المناطق، واشتعلت شوارع وساحات المدن بالتظاهرات الاحتجاجية، وبدعم من الضباط اللبنانيين شكلت حكومة مؤقتة أطلق عليها اسم حكومة الثورة، ضمت الوزيرين حبيب أبو شهلا ومجيد إرسلان اللذين توّجها برفقة رئيس مجلس النواب صبري حمادة إلى بلدة بشامون، وهناك انضمت إلى الحكومة مجموعة من الشباب شكلت ما يشبه الحرس الوطني، فما كان من قيادة قوات الانتداب إلاّ أن أصدرت أوامرها إلى المقدم جميل لحود قائد فوج القناصة الأول آنذاك، بمهاجمة حكومة الثورة، فرفض الأمر معلناً انضمامه للحكومة، وقام برفع العلم اللبناني في موقع فرقته العسكرية المتمركزة في عين الصحة - فالوغا.
أمام هذا الواقع وأمام تصاعد التظاهرات الشعبية، اضطرت السلطات المنتدبة
إلى تليين مواقفها والتراجع عن تشددها، مذعنة لمشيئة اللبنانيين، ومطلقة
سراح رجالات الدولة من سجن راشيا في تشرين الثاني 1943، ومعلنة استقلال
لبنان في حدوده النهائية المعترف بها دولياً. 2- إرساء مقومات الاستقلال
3- رسالة الجيش في وطن الرسالة
واجه الجيش مذ كان فتياً صعوبات وتحديات عدة، أولها إنشاء الكيان الإسرائيلي الغاصب على أرض فلسطين عام 1948، وفي 5 حزيران من العام ذاته خاض الجيش معركة المالكية في الجنوب، حيث التحمت بعض وحداته مع قوات العدو الإسرائيلي في قتال شرس تمكنت خلاله من دحرها وتحرير القرية وفك الحصار عن الآلاف من جيش الإنقاذ العربي، على الرغم من عدم التكافؤ في موازين القوى. ثم تابع تنفيذ مهامه الوطنية في الدفاع عن البلاد، وتجلى ذلك في محطات مشرقة منها الاضطلاع بدور مميز في عملية انتقال السلطة بشكل سلمي وهادئ عام 1952 على أثر التظاهرات والإضرابات التي عمّت البلاد واستقالة الرئيس بشارة الخوري، وكذلك منعه امتداد الحرب الأهلية عام 1958 وصون وحدة البلاد والحفاظ على الدولة ومؤسساتها. وفي مجال الدفاع، ثابر الجيش على التصدي الفوري للاعتداءات والهجمات الإسرائيلية شبه اليومية، وأبرزها المواجهات التي حصلت في منطقة العرقوب - سوق الخان عام 1970، وعلى محوري كفرا - ياطر وجسر السلطانية عام 1972، وفي صور عام 1975 ، مقدماً في هذه المواجهات العديد من الشهداء والجرحى قرابين طاهرة على مذبح الوطن. بموازاة كل ذلك، لم يغب الجيش يوماً عن المساهمة في مجالات الإنماء والإغاثة والمساندة، عبر شق الطرقات وإنشاء المدارس والمستوصفات في الهرمل وعكار وسواهما... وبناء الملاجئ وترميم مئات المنازل المتضررة في منطقة الجنوب، بفعل الاعتداءات الإسرائيلية بين أواخر الستينات ومطلع السبعينات.
4- أحداث الفتنة وتغييب دور الجيش
عام 1975 اندلعت أحداث الفتنة في لبنان لأسباب متعددة، أبرزها
انعكاسات الصراعات الإقليمية على الساحة الداخلية، وبروز العامل الإسرائيلي
الرامي إلى ضرب وحدة اللبنانيين وصيغة العيش المشترك في ما بينهم. وإزاء
فقدان القرار السياسي الموحد للدولة، غُيِّب دور الجيش بمفهومه الوطني
الشامل، ولم يتمكن من ردع الفتنة. وهكذا استمرت هذه الأحداث الدامية لسنوات
طويلة استغلها العدو الإسرائيلي لتنفيذ مخططاته وأطماعه، فاجتاحت قواته
لبنان وعاثت فيه تدميراً وخرابا،ً مما هدد الكيان بالتفسخ والانهيار. إلا
انّ هذه الأحداث، وعلى الرغم من قساوتها، لم تحل يوماً دون التواصل
والتلاقي بين أخوة السلاح في الجيش، وبقي الرهان على استعادة دوره، حلم
جميع المخلصين لشعبهم ووطنهم. وهذا ما حصل مع مطلع التسعينات، من خلال
وثيقة الوفاق الوطني التي وضعت حدّاً للحرب العبثية، وأعادت للجيش دوره
المنشود في إرساء عهد جديد من الأمن والاستقرار، الأمر الذي مكّن المقاومة
الوطنية من تصعيد كفاحها وصولاً إلى التحرير.
5- إعادة التوحيد والبناء بدأت عملية التوحيد والبناء في المؤسسة انطلاقاً من ركائز أساسية ثلاث وهي: إرساء الثوابت الوطنية والعقيدة العسكرية المستمدة خطوطها العريضة من وثيقة الوفاق الوطني. اتباع النهج المؤسساتي في العمل. توفير الطاقات البشرية والوسائل المادية للتمكن من تنفيذ المهام المطلوبة. وهكذا بدأت مسيرة إعادة بناء وتوحيد الجيش مع قائد الجيش آنذاك فخامة الرئيس العماد اميل لحود على أسس وثوابت وطنية سليمة، وعقيدة عسكرية واضحة ميّزت الصديق من العدو، وأخرجت رؤى العسكريين من المنطقة الرمادية إلى المنطقة البيضاء. ركزت السياسة التوجيهية للجيش على الأخطار التي تمثلها إسرائيل كعدو للبنان، إذ شكلت منذ نشوئها في المنطقة، مصدر حروب عدوانية ومآسٍ عانى منها لبنان على امتداد نحو نصف قرن ونيّف، إضافة إلى أطماعها الجغرافية والمائية في أرضه، وطبيعة مجتمعها العنصري المناقض لطبيعة المجتمع اللبناني، وبالتالي على ضرورة مواجهتها بكل الإمكانيات والوسائل المتوافرة، فكان أمر "جنوباً سر واصمد" الأمر اليومي الذي نفذه العسكريون والتزموا به حتى التحرير أو الشهادة، إلى جانب احتضان الجيش للمقاومة الوطنية ودعمها في نضالها المشروع ضد الاحتلال الإسرائيلي. وفي المقابل ركزت القيادة على عروبة لبنان والتزام قضايا أشقائه العرب، الذين تجمعهم به علاقات الاخوة وعناصر اللغة والثقافة والمصير المشترك، وخصوصاً الشقيقة سوريا، البلد الأقرب والتي تربطها بلبنان إلى جانب ذلك، عوامل تاريخية وجغرافية، وإرث من النضال المشترك لا سيما في مواجهة العدو الإسرائيلي، كما أن سوريا لم تبخل يوماً في تقديم المساعدات، والتضحيات الجسام، دفاعاً عن لبنان وحفاظاً على سلمه الأهلي ودعماً لمقاومته الوطنية، فباتت العلاقة بين البلدين الشقيقين يسودها مناخ من التعاون والتنسيق وفقاً لمبادئ وأسس واضحة تحقق مصالح كليهما على حدٍّ سواء. لقد نجحت قيادة الجيش في الانطلاق بسرعة قياسية في عملية بناء المؤسسة مستندة على الرؤية الواضحة التي أرساها فخامة الرئيس العماد اميل لحود والتي استمر نهجها مع تسلّم العماد ميشال سليمان سدة القيادة في 21 كانون الأول عام 1998، إذ سار العمل في المؤسسة وفقاً لأسس ومعايير واضحة ودقيقة، أدت إلى الارتقاء بالمؤسسة لتكون الركيزة الأساسية للدولة في مسيرة نهوض الوطن. أولى خطوات إعادة البناء، كانت في عملية الدمج الشامل وتبديل قطاعات انتشار الوحدات العسكرية، مما أدّى إلى نزع مظاهر الطائفية والمناطقية والمحسوبيات عنها، وتكريس مبدأ الولاء الوطني في عمل المؤسسة. ترافقت هذه الخطوة مع اعتماد النهج المؤسساتي في العمل، بحيث أصبحت معايير الإنتاجية والكفاءة، هي الأساس في وضع الترقيات وتحديد التشكيلات والاختيار في الدورات الدراسية وغيرها، وبموازاة ذلك حرصت قيادة الجيش بشكل حازم على إبعاد المؤسسة عن التجاذبات السياسية بما يحفظ هيبتها ودورها الوطني الشامل. أما في إطار إعادة التجهيز والتسليح اللازمين، ولكي يتمكن الجيش من القيام بمهامه، اعتمدت القيادة في تحقيق ذلك مبدأ تأمين الحاجات الضرورية من دون تكبيد خزينة الدولة ما لا طاقة لها على تحمله، حيث تمت هذه العملية وفقاً للتالي: القيام بورشة تعهد وصيانة للأسلحة والتجهيزات المتوافرة أصلاً في الجيش. استلام أسلحة الميليشيات واستخدام الصالح منها. استلام هبة قدمها الجيش العربي السوري الشقيق عبارة عن آليات قتال ومدافع شكلت معظم القوة النارية في الجيش. الاستفادة من الفرصة التي أتاحتها حكومة الولايات المتحدة الأميركية لشراء عتاد بأسعار رمزية، كناية عن نحو ثلاثة آلاف آلية تكتية (جيب، شاحنة، ناقلة جند) وسربٍ من الطوافات. شملت تلك الأسعار: 100 دولار للجيب و 1000 دولار للشاحنة و 40000 دولار لناقلة الجند و 350000 دولار للطوافة.
كما حصل الجيش من بريطانيا على قطع بحرية، ومن فرنسا على آليات وأعتدة
عسكرية متنوعة.
وبالتزامن مع عملية التجهيز نشطت ورشة التدريب والتعليم بهدف مواكبة التطور
العسكري وتنمية وتعزيز قدرات العسكريين للاضطلاع بمهامهم المتنوعة، عبر
تكثيف التدريب ضمن القطع والوحدات، واتباع الدورات الدراسية في الداخل
والخارج على مختلف المستويات.
6- ترسيخ الاستقرار الأمني ومواجهة العدو:
الجيش مؤسسة "تحت القانون" وفي خدمته. تطبيق مبدأ العدالة والمساواة بين جميع المواطنين. الحزم والسرعة والدقة في تنفيذ المهام، وعدم التهاون مع أي مخل بالأمن. وهكذا تمكن الجيش من توفير مناخ من الأمن والاستقرار، مما كفل لجميع المواطنين ممارسة حقوقهم وواجباتهم في مختلف المناسبات الوطنية والاجتماعية والثقافية والرياضية... وكان ثمن ذلك سهر العسكريين وجهودهم وتضحياتهم في محطات كثيرة. وقد أكّدت القيادة غير مرة أن الاستقرار الأمني في البلاد هو من المقدسات، ومن غير المسموح المسّ به تحت أي شعارٍ كان، لأنه يشكل الركيزة الأساس لنهوض وديمومة الوطن، ومن دونه لا يمكن أن تقوم ديمقراطية وحرية أو تتحقّق عدالة اجتماعية أو يزدهر اقتصاد. وفي هذا الإطار كان القرار سريعاً وحاسماً في مواجهة المخلين بالأمن، الساعين إلى إثارة الفتن، لا سيما في أحداث عام 1998 في البقاع ومطلع عام 2000 في الشمال وفي الاعتداءات الإرهابية على المطاعم الأميركية خلال شهر نيسان من هذا العام، وفي محاولات التجسّس والتخريب التي قامت بها عصابات متعاملة مع العدو الإسرائيلي، وفي محاولات أخرى جرت للنيل من الأمن والاستقرار في مختلف المناطق، إلى جانب المؤازرة الدائمة لقوى الأمن الداخلي في مكافحة الجريمة والقضاء على الآفات الاجتماعية. في مقابل قيام الجيش بمهامه الأمنية في الداخل، كان قرار القيادة بانتشار نصف قوى الجيش في ساحة المواجهة الأساسية مع العدو الإسرائيلي في مناطق الجنوب والبقاع الغربي، وعلى الرغم من عدم التكافؤ في موازين القوى، قام الجيش بواجبه الأصيل في الدفاع عن الوطن والتصدي لاعتداءات هذا العدو بكل الطاقات والوسائل المتوافرة، لا سيما أثناء عمليتي تصفية الحساب عام 1993 وعناقيد الغضب عام 1996 والأنصارية وعربصاليم عام 1997، مقدماً العديد من الشهداء في هذه المواجهات، كما وقف دائماً إلى جانب أهالي القرى والبلدات المتاخمة لخطوط المواجهة، ماداً يد العون لهم بهدف تعزيز صمودهم وتشبثهم في بيوتهم وأرزاقهم، فنشأت بين الجميع حكاية صمود ومقاومة أرهبت مخيلة العدو وحطمت جبروته وكبرياءه.
7- المقاومة والتحرير :
مع بدء الاحتلال الإسرائيلي للبنان، انطلقت المقاومة الوطنية كردة
فعل طبيعية لشعب استبيحت أرضه وانتهكت سيادته ، إلاّ أن ما كان يؤثّر سلباً
في صراعها مع هذا الاحتلال، هو استمرار النزاع الداخلي والحروب العبثية
المتنقلة بين مكانٍ وآخر ، فبعد عودة مسيرة السلم الأهلي للبلاد وترسيخ
الأمن والاستقرار في الداخل ، توحّدت إرادة اللبنانيين وتقاطعت جهودهم معاً
في مقارعة العدو الإسرائيلي، حيث هو في مناطق الجنوب والبقاع الغربي، وفي
ظل صمود الجيش والدعم العربي السوري الشقيق اللا محدود، وتحلّق المواطنين
حول جيشهم ومقاومتهم ، أخذت المقاومة تخطو خطوات متسارعة وحاسمة في نضالها
الحثيث ضد هذا العدو، واضعة إياه أمام حرب استنزاف يومية قلّ نظيرها، ممّا
أجبره على التقهقر والاندحار في 25 أيار من عام 2000 عن معظم الأراضي
المحتلة، مخلفاً وراءه أذيال الخيبة والهزيمة، ووهم وهشاشة أسطورة الجيش
الذي لا يقهر، وهكذا حقق لبنان إنجاز التحرير عن القسم الأكبر من أرضه
المحتلة، إضافة إلى فرض حالة من التوازن وقوة الردع تجاه العدو أدّت لاحقاً
إلى استعادة قسم من مياهه المسلوبة في نهر الوزاني، والتي كانت إسرائيل قد
استغلتها لردح من الزمن خلافاً للأعراف والمواثيق الدولية. وعلى الرغم من
أهمية الإنجازات التي حصلت فإن هناك العديد من الأهداف لا تقل أهمية عنها،
يصبو لبنان وشعبه إلى تحقيقها وفي مقدّمها استرجاع مزارع شبعا وتحرير
الأسرى والمعتقلين من السجون الإسرائيلية وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى
ديارهم. من هنا فإن استمرار المقاومة في نضالها هو السلاح الأمضى في أيدي
اللبنانيين لاسترجاع حقوقهم المشروعة كافة، وما مطالبة إسرائيل وبعض
الأصوات الخارجية بإرسال الجيش إلى الجنوب الذي ينعم بحالة مميزة من الأمن
والاستقرار بفضل القوى الأمنية المنتشرة والتي يشارك الجيش فيها بفعالية
إلاّ بهدف وقف المقاومة وبالتالي إقفال باب النزاع مع إسرائيل وفرض سياسة
المماطلة وحالة الأمر الواقع.
8- الجيش والإنماء – نزع الألغام : بالإضافة إلى المهام الدفاعية والأمنية التي ينفذها الجيش، فإنه يضطلع بدورٍ بارز في مجالات الإنماء المتعدّد الأبعاد. فمع انطلاق مسيرة النهوض بالوطن وحتى يومنا هذا، دأب الجيش على المشاركة بفعالية في عملية إعمار وبناء ما هدمته الحرب ومسح غبار الإهمال والنسيان اللذين طالا مختلف المناطق. وفي هذا الإطار توزعت نشاطات وحدات الجيش المنتشرة، من الإسهام في تأهيل البنى التحتية من شبكات ماء وكهرباء وشق طرقات في مناطق عودة المهجرين، إلى تأهيل المرافق السياحية والمواقع الأثرية والقيام بحملات تنظيف الشواطئ وإخماد الحرائق وأعمال التشجير ، ورفد بعض الإدارات الرسمية بالخبرات والوسائل والطاقات البشرية، وتقديم المساعدة لمؤسسات المجتمع المدني والهيئات الفنية والثقافية والاجتماعية، وكذلك في عمليات الإخلاء والإنقاذ لدى حصول كوارث طبيعية وحوادث طارئة. على سبيل المثال، وخلال هذا العام، نفذت وحدات الجيش مئات المهمات الإنمائية منها : عمليات إخلاء وإنقاذ لأهالي القرى والبلدات التي حاصرتها السيول والثلوج خلال فصل الشتاء وتقديم المواد الغذائية والطبية لهم، لا سيما في مناطق جرود عكار والضنية وأعالي كسروان وبعلبك والمرج... واستخدام الطوافات العسكرية والزوارق الخاصة في تنفيذ هذه المهمات. المساهمة في فتح الطرقات الجبلية المقطوعة بسبب الثلوج وإزالة الانهيارات الترابية عنها وإنقاذ غابة أرز الرب في بشري بإزالة الثلوج عن أشجارها. تقدير الأضرار الناجمة عن العوامل الطبيعية. رش المبيدات فوق سهول القمح في منطقة البقاع بواسطة الطوافات التابعة للجيش لمكافحة حشرة السونة. المشاركة في تأهيل القلاع الأثرية في جبيل وبعلبك وطرابلس وأرنون. تأهيل وتنظيف محمية بنتاعل واحراج جزين وبكاسين وقيتولة وكفر حزير ووادي قنوبين وحدائق محافظة بيروت. الإسهام في تأهيل وتنظيف الشواطئ اللبنانية لا سيما في حملة الأزرق الكبير. مبادرة قيادة الجيش إلى نقل وتوزيع التفاح من مختلف المناطق إلى بيروت الكبرى، لبيعه من المواطنين ومن ثم شراء الجيش للكمية المتبقية . مشاركة أطباء وممرضين من الجيش في حملة التلقيح ضد شلل الأطفال في قضاءي عكار والضنّية. أعمال تشجير في مختلف المحافظات. إزالة التعديات على ضفاف الأنهر وإحصاء كميات البحص والرمل في المرامل والمقالع ومواكبة عمال شركة كهرباء لبنان وتوفير الحماية الأمنية لهم أثناء قيامهم بواجباتهم، وذلك بناءً لتكليف من مجلس الوزراء.
وفي مجال آخر يتصل بالأمن والإنماء معاً، والذي يتعلّق بمشكلة الألغام، فلقد أولى الجيش اهتماماً بالغاً بهذه المشكلة نظراً لآثارها السلبية على حياة المواطنين، وفي عملية إعادة الإعمار والنمو. فبعد انتهاء الحرب الداخلية عام 1990، سارعت وحدات الهندسة في الجيش اللبناني إلى جمع المعلومات والقيام بعمليات مسح شاملة لحقول الألغام والبقع المشبوهة في مختلف المناطق، ثم باشرت بالاشتراك مع وحدات الدعم الهندسي في الجيش العربي السوري الشقيق بعملية إزالة الألغام وفقاً لخطة شاملة وضعت لهذه الغاية. إلاّ أن مشكلة الألغام تفاقمت مع إنجاز التحرير في 25 أيار 2000 ، إذ خلّف العدو الإسرائيلي وراءه مئات الآلاف من الألغام المزروعة بصورة عشوائية في مناطق الجنوب والبقاع الغربي، من دون أن يقدم على تسليم معظم خطائط حقول هذه الألغام. وإزاء هذا الواقع انطلقت ورشة جديدة في العمل لا سيما بعد إنشاء المكتب الوطني لنزع الألغام عام 1998 وانضمام مشروع التضامن الإماراتي ومؤسّسات دولية غير حكومية والكتيبة الأوكرانية العاملة ضمن قوات الطوارئ الدولية في الجنوب، إضافة إلى مساهمات العديد من الدول الصديقة من خلال تقديم العتاد اللازم والخبرات الفنية ، وفرق عمل أميركية مختصة في تدريب مجموعات مروضي الكلاب وفي استعمال كاسحات الألغام والإشراف على تنفيذ العناصر. وقد تمكّن الجيش اللبناني، بالاشتراك مع وحدات الدعم في الجيش العربي السوري الشقيق، اعتباراً من 13/10/1990 ولغاية 1/9/2003 ومشروع التضامن الإماراتي الذي باشر عمله في منطقة الجنوب عام 2002 من إنجاز ما يلي : - تنظيف مساحة : 8964133 م2 . - نزع وتفجير : 98588 لغماً مضاداً للآليات والأفراد.
من جهة ثانية يستمر المكتب الوطني لنزع الألغام بالتعاون مع اللجنة الوطنية للتوعية من مخاطر الألغام، بتنفيذ حملات الإرشاد والتوعية، حيث أنهى المرحلة الأساسية في مناطق الجنوب والبقاع الغربي وهو يتابع حالياً عمله في أقضية جبل لبنان والشمال.
9- الأوضاع الاجتماعية للعسكريين لقد كان الجيش سباقاً في التماهي مع سياسة عصر النفقات والتقشف المتبعة من قبل الدولة، والهادفة إلى تخفيف الأعباء المادية عن كاهل الاقتصاد الوطني، حيث بادرت القيادة عام 1999 إلى إلغاء التعويض رقم (4) الذي استحق للعسكريين بسبب الانتشار العملاني، كما تم في عام 2001 تخفيض الضمائم الحربية للعسكريين إلى الثلث، من جهة أخرى فقد جرى ترشيد الإنفاق داخل المؤسسة على مختلف المستويات، لا سيما في مصاريف المحروقات والهاتف والكهرباء والتغذية، إذ تم تخفيض كلفة التغذية اليومية للعنصر الواحد إلى أقصى حد ممكن وهو 1290 ل.ل. وعلى الرغم من الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد ومن ضآلة الإمكانيات المادية المتاحة، نجحت القيادة في رعاية الشؤون الاجتماعية والصحية للعسكريين بفضل تطبيق مبادئ الإدارة السليمة من خلال دقة التنظيم والتعهد المستمر والملاحقة والاقتصاد بالوسائل. ففي مجال الطبابة |